أحمد بن علي القلقشندي

19

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أما بعد ، فإن أولى من انتدب لحفظ ممالك الإسلام ، وأتمن على صونها بعزمه الَّذي لا يسامى ولا يسام ، وأسند إليه من أمور الرعايا بأجلّ الممالك ما يقضي بمزيد التكريم ، واعتمد على صيانته وديانته لمّا شهد الاختبار بأنه أهل للتقديم ، وجرّبت الدول مخالصته ، وتحقّق اهتمامه الَّذي بلَّغه من العزّ غايته ، وأثنت على حسن سيرته وسريرته سوابق خدمه ، وشكر اهتمامه في المخالصة التي أعربت عن عزمه ، ففاق أشباها وأنظارا ، وكفل الممالك الشريفة الحلبيّة والحمويّة فأيّدها أعوانا وأنصارا ، وبسط فيها من العدل والإنصاف ما أعلى له شأنا ورفع له مقدارا ، وسلك فيها مسلكا شنّف أسماعا وشرّف أبصارا . ولما كان المقرّ الكريم ( إلى آخره ) هو صاحب هذه المناقب ، وفارس هذه المقانب ( 1 ) ، ونيّر هذه الكواكب ، كم أبهج النفوس بما له من عزم مشكور ، وحزم مأثور ، ووصف بالجميل موفور . فلذلك رسم بالأمر الشريف - لا زال لسيف أوليائه مرهفا ، ولا برح لأخصائه مسعدا ومسعفا - أن تفوّض إلى المشار إليه نيابة السّلطنة الشريفة بالشام المحروس ، على أجمل عوائد من تقدّمه في ذلك وأكمل قواعده . فليتناول هذا التقليد الشريف بيد لم يزل لها في الولاء الباع المديد الطويل ، ويتلقّ هذا الإحسان بالشّكر الَّذي هو بدوام النعمة خير كفيل ، ويضاعف ما هو عليه من اهتمام لم يزل منه مألوفا ، واعتزام إذا لاقى غيره مهمّا واحدا لاقى هو ألوفا ، ويمعن النظر في مصالح هذه المملكة الشامية المحروسة ، ويعتمد من حسن تدبيره ما تغدو ربوعها بحسن ملاحظته عامرة مأنوسة . وهو يعلم أن العدل من شيم دولتنا الشريفة ، وسجيّة أيامنا الَّتي هي على هام الجوزاء منيفة ؛ فليسلك سننه ، ويتبع فرضه وسننه ، ويعلم أنّ عدل سنة خير من عبادة ستين سنة ، ولينشر على الرعايا ملابسه الحسنة ، ويعظم الشّرع الشريف وحكَّامه ، ويعيّن الإقطاعات لمن يستحقها من الأيتام أو يوجب الاستحقاق إكرامه ؛ واللَّه تعالى

--> ( 1 ) المقنب : جماعة من الفرسان والخيل . الجمع : مقانب .